الأحد، 11 سبتمبر 2016

الفصل الثاني - تتمة

عين جرزيز

قبل الصعود الى الجبل تقرأ لافتة مكتوب عليها عين جرزيز، وهي عين ماء تقع في أسفل الجبل تسيل منها الماء في قناة طويلة تسقي سهل جرزيز.  هذه الأيام جفت القناة ولم نعد نرى منها الا أثرا بعد عين.

مقام النبي أيوب. 

و بعد أن نكون قد تزودنا بالديو أو أي مشروب تركب السيارة ونستعد لصعود الجبل الذي يحوي على صعوبة بالصعود، وإذا كان الصعود ليلاً يضاف اليها الظلمة كعقبة أخرى بالإضافة إلى ضيق الطريق باتجاه ما يسمى مقام النبي أيوب عليه السلام.  وقد تم لاحقا إضاءة هذا الطريق و توسعته ولهذا لم يبق الا عقبة الصعود. يأخذنا الطريق مستقيماً مرة و متعرجا مرة أخرى صعوداً ثم صعوداً يتبعه صعود إلى أن نصل قمة الجبل عند منطقة يُقال لها غدو لننحرف يساراً بطريق متعرج نزولا  إلى ساحة على قمة الجبل يقع فيها ضريح البني أيوب عليه السلام.
 
تطل هذه الساحة على صلالة وميناء ريسوت الذي سيأتي الحديث عنه لاحقاً فتشكل الإنارة المنبعثة من المدينه سحراً رائعاً إضافة للنسيم العليل الذي يهب على تلك المنطقة لكونها أعلى منطقة في صلالة حسب معلوماتي. ويستخدم المتنزهون هذه الساحة لطهي الطعام وفيها مكان للعب الأطفال.

وفي الحقيقة سألت زميلي الأستاذ جميل مناصرة عن حقيقة وجود ضريح النبي عليه فقال الناس يتحدثون عن وجوده هنا.  المهم ، يقع هذا الضريح بمنطقة عالية من الجبل وبجانب الضريح قطعة صخرية  محفور عليها حفرتان يقول الناس عنها أنها أقدام سيدنا أيوب عليه السلام، ولا  أدري عن سبب وقوفه على الصخرة تلك فالأمر ليس كمقام إبراهيم عليه السلام الذي كان يقف عليه لبناء الكعبة.  ويتحدث الناس أيضا عن وجود عين ماء في أسفل الجبل التي يقال أن سيدنا أيوب عليه السلام اغتسل بها كما أمره الله.  ويقع حوله مجموعة من القبور التي اندثرت و بقي معالمها و لا يعلم احد لمن هذه القبور. وقد زرت المنطقة لاحقا بعد دخولي عالم اليويتيوب وسجلت كِليباً بصوتي عن النبي أيوب وما حوله ونشرته على اليوتيوب.  كانت بعض التعليقات لا تصدق روايتي كما قالوا عن تسجيلي لدحقة الناقة.

و بمناسبة الحديث عن النبي أيوب لفت نظري أن هناك بلدة بالأردن تسمى الأيوبية ضمن محافظة جرش وفيها لافتة تشير إلى ضريح النبي أيوب، ولم أتمكن من زيارتها.  وكذلك شاهدت على قناة إقراء ذات مرة تقريراً عن مقام النبي أيوب عليه السلام في سوريا.  وهذا يعني أنني لغاية كتابة هذه السطور قد علمت بثلاثة أماكن مختلفة تحتوي ضريح هذا النبي الصابر أيوب عليه السلام من الله.

ضريح النبي عمران

و بما أن الحديث عن مقامات الأنبياء فهناك ضريح غريب الشكل يقع بمنطقة نمرة خمسة  بصلالة بجانب بلدية ظفار يطلق عليه ضريح النبي عمران، وكان هذا من أوائل المناطق التي أخذنا اليها الأستاذ جميل المناصره.  وأول ما يلفت النظر في هذا المكان أنه يشبه مزاراً باكستانياً فمعظم الذين يزورونه من الباكستانين أو الهنود المسلمين هناك ويمارسون طقوسهم كالطواف حول الضريح والتبخير ودفع النقود هناك التي توضع في صحن يجمعها الشيخ (و هو أيضا باكستاني) وينفقها كما يقولون على الأسر الفقيرة من الباكستانيين و الهنود هناك.

عندما تدخل هذا الضريح يدهشك أكثر من أمر فهو كله من البلاط الثمين، وبهذا يختلف عن ضريح النبي أيوب عليه السلام الذي يقوم عليه بناء متواضع جداً.  ويغطي ضريح النبي عمران هذا السجاد الثمين نسبياً و بهذا تشعر انك تقف في مكان مقدس بالنسبة للإخوة الباكستانيين والهنود، وبالمناسبة قليلاً ما كنت أرى الإخوة العمانيين هناك لاعترافهم بأن هذا حق الباكستانية، باستثناء بعض الإدلاء السياح الذي يحضرون بمجموعات إلى صلالة فيحضرهم الدليل إلى هذا الضريح كمعلم سياحي، وإن كنتُ لا أحبذ هذا طبعا فالفكره التي يعود بها السائح عن هذه الطقوس التي يراها من الإخوة الباكستانية أكثر ضررا من دريهمات معدودة قد تعود على البعض من هذا التسويق لهذا الضريح.

و بعد أن يخرج المسلم من صدمة الطواف حول الضريح و التبخير  يقع تحت صدمة أخرى وهي طول الضريح.  فبينما أنا أمعن النظر بذلك الباكستاني الذي يضع يديه على صدره ويدعو بما شاء بطريقة تنم عن الخشوع الزائد، التفتُ إلى صديقي الدكتور أحمد العودات (دكتوراه بالتاريخ الإسلامي) فوجدت مشغولاً بشيء آخر و هو قياس طول الضريح (بالفحجة) وبعده توصلنا إلى طريقة أكثر دقة و هي أن نعد البلاطات في أرضية البناء و بلغ عددها 72 بلاطة، وكان طول البلاطة 40 سم فإذا بطول صاحب الضريح الذي يطلقون عليه النبي عمران حوالي 29 متراً، وبعدها بفترة تجرأت وسألت الشخص المقيم هناك عن هذا الطول الفارع فقال لي ( نبي واجد طويل) أي انه طويل كثير.  وكثيراً ما كان الدكتور أحمد يستنكر ذلك ويقول لم نسمع بمثل هذا الطول لأي من الأنبياء المعروفين.

 وقد كان الاعتقاد في ذلك الوقت أن هذا هو ضريح عمران أبي السيدة مريم والدة السيد عليهما السلام  وكنا نستغرب من سبب مجيئه من فلسطين والأردن  الى عُمان ليدفن هنا في صلالة،  لكن عرفنا لا حقا أنه وربما نتيجة التقارب العماني مع القارة الهندية أيام الإمبراطورية العمانية تواجد الكثير من المسلمين الهنود قبل معرفة باكستان وكان هؤلاء يطلقون عن الصالح المؤمن لقب نبي، ولهذا أطلق لقب النبي عمران عن أحد الصالحين وأقيم عليه هذا الضريح؛ أما قضية الطول فقد جاءنا توضيح أنه ربما كان هذا يحوي قبر الصالح و أولاده، لهذا جاء طويلا بهذا الشكل.   وهذا ما خلصنا إليه بخصوص هذا الضريح، و هي معلومات استقيتها من الأشخاص الذي يتعاملون مع ذاك الضريح؛ فهي أيضا مجرد أقاويل لتبرير الإسم وطول للضريح.  وغير ذلك لم أجد مصدراً يعطي معلومة واضحة حول هذا الضريح.

أضرحة أخرى : دحقة ناقة صالح

تنتشر في محافظة ظفار و في صلالة الكثير من الأضرحة لأشخاص وأنبياء  منهم من هم أبناء هود عليه السلام ومنهم من هو من أبناء نوح عليه السلام  في الطريق إلى مرباط، و منهم ربما لأشخاص لا يعرفهم أهل المنطقة كالمقام الذي يقع بمنطقة الدهاريز قرب الشاطئ، و قد سألت أحد الأصدقاء عنه فقال و الله ما ادري.  ويبدو أن القضية تعود الى احترام هذا المناطق و أهلها قديما بأهل العلم والصلاح فأقاموا عليها الأضرحة تبركاً بها، ولا أحد يعلم تاريخ هذه المقامات باستثناء ما يُكتب على المقام نفسه.

 لكن ما يدهش هو وجود مكان يعرفه أهل صلالة جميعا في منطقة القرض بصلالة للصخرة التي خرجت منها ناقة صالح عليه السلام، ويطلقون عليها الدحقة.  وعندما زرت هذه المنطقة وجدتها صخرة كبيرة كأنها كانت جزءاً من جبل أو شيء مرتفع لم يبقى منه الا تلك الصخرة و يقولون أن هذه هي الصخرة التي خرجت منها ناقة سيدنا صالح، و فيها بعض النتوءات و كذلك يغطي بعض أجزاءها  اللون الأحمر في إشارة الى أنهم عقروها لتلك الناقة.  و هو مكان سياحي يقوم على العناية به موظف هناك، وتظهر لوحة على باب المكان مكتوب عليها أنها كذلك.


و بالمناسبة فقد سجلت فيديو كليب عن هذه المناطق و علقت عليه بصوتي  و رفعته على اليوتيوب، وقد نال نقداً كثيراً من المشاهدين لأن منهم من قال أن المكان في السعودية.

الاثنين، 5 سبتمبر 2016

الباب الثاني - الفصل الثاني

الفصل الثاني

محافظة ظفار

لم تكن محافظة ظفار تعرف بهذا الاسم عام 1990 بل كانت تُعرف بالمنطقة الجنوبية وتحمل لوحات السيارات فيها حرف (ج) إضافة إلى رقمها. وتقع هذه المحافظة بالجزء الجنوبي من السلطنة، ورغم أنها تشكل العاصمة الثانية للسلطنة إلا أنها تبعد عن العاصمة الأولى مسافة تزيد عن الألف كيلومتر، بطرق بري طويل ويتشكل معظمه من ثمريت إلى أدم من خط مستقيم مما يشكل صعوبة بالتركيز لمن يسلكه أول مرة، لأنه ربما يأخذه النعاس لرتابة الطريق رغم وجود بعض محطات التزود بالوقود في الطريق. كذلك هناك رحلتان للطيران العماني (ارتفع العدد إلى أربع رحلات لاحقاً) من مسقط إلى صلالة لمن أراد الراحة والتعجل. لكن الملاحظ أن تذاكر السفر على الطيران بارتفاع مستمر وعدد الرحلات متذبذب لكنه بالمواسم السياحية يرتفع إلى أكثر من ذلك. أما تذاكر السفر بالباصات فهي في انخفاض، وازدادت شركات الحافلات البرية الناقلة، فكانت بعام 1990 شركتان (النقل الوطني وشركة الخليج) لترتفع إلى حوالي عشرة شركات هذه الأيام. طبعاً هناك دعوات إلى العلي القدير أن تضاف شركات ناقلة جوية أخرى للملاحة الجوية حتى تخفف أسعار التذاكر لأن البعض يعتقد أن أسعار التذاكر مرتفعة بسبب عدم وجود خطوط ملاحية جوية منافسة للطيران العماني الناقل الوحيد.    

تبلغ مساحة محافظة ظفار حوالي 100000 كم مربع و إجمالي عدد السكان هو  214.331 نسمة كما جاء بموقع وزارة الإعلام العمانية عند كتابة هذه المعلومة. و إذا ما قارنا هذه المحافظة بالمملكة الأردنية الهاشمية نجد أنها تفوق الأردن مساحة حيث تبلغ مساحة الأردن حوالي 86000 كيلومتر مربع. أما عن عدد السكان فالوضع مختلف طبعا فالأردن تجاوز عدد سكانه ال ستة ملايين ونصف بدون اللاجئين طبعاً.

صلالة

أما صلالة المركز الرئيس لمحافظة ظفار فإنها تنقسم إلى عدة مناطق أجد صعوبة في بعض المرات للتفريق بينها.  فمنطقة صلالة القديمة في وسط المدينة قريباً من الجامع الكبير ومقابله إلى أوائل شارع السلام. وقد كنت أمر من بين البيوت القديمة خلف العمارة التي كنت أسكنها كما أسلفت سابقاً، وهي بقايا بيوت ولا أحد يسكنها بالغالب باستثناء بعض الحجرات القديمة التي تسكن فيها بعض العمالة الأسيوية، و هذه العمالة تجدها أينما ذهبت و في كل مجال ، و لكن دورهم أخذ بالتناقص حديثا نظراً لسياسة التعمين التي انتهجتها الحكومة، فلم نعد تراها إلا بالوظائف الدنيا في بعض القطاعات الحكومية باستثناء التعليم العالي و الصحة.

تطورت صلالة وامتدت بأكثر من اتجاه قبل أن أحضر إليها عام 1990 فكانت صلالة الجديدة والغربية والقوف والقرض والحصيلة والدهاريز والحافة وكذلك امتدت الى منطقة السعادة القريبة من الجبل.  ومن دفتر الذاكرة عن السعادة  في بداية التسعينيات أنها كانت تنقصها الخدمات الرئيسة كالشوارع المعبدة أو المحال التجارية، ولهذا لم تكن مطلباً للسكن، وكانت تؤجر البيوت للسكن الحكومي للموظفين الوافدين فقط.  لكن الحال تغير بالسعادة بعد سنة 2000 فأصبحت محطاً للأنظار نتيجة بعدها عن الضوضاء وتوفر كل الخدمات التي يطلبها الساكن هناك.  

ويحيط بصلالة منطقة سياحية رائعة تخرج إليها العائلات العمانية أو الوافدة للتنزه وهي سهل أتين وسهل مرباط إضافة إلى الكورنيش الذي كان متواضعاً في تلك الفترة ولم يشهد حركة تجارية إلا بعد انتشار ظاهرة المقاهي والشيشة فأصبح يرتاده الناس بشكل يومي وخاصة يومي الخميس والجمعة سواء للتنزه أو لممارسة بعض أنواع الرياضة وخاصة لعبة كرة الطائرة الشاطئية هناك. عند مراجعة الكتاب وفي نهاية 2014 وبداية 2015 تم استملاك كل البيوت الواقعة على الكورنيش، وإزيلت كاملة بهدف توسعة الكورنيش وتطويره سياحياً ليكون معلما بارزاً في صلالة.      


و من دفتر الذاكرة أيضا حول صلالة كما أسلفت سابقاً أن مختار قبيلتي (شيخ قبيلتي) أبو يحيى كان أول شخص سألته عن صلالة عندما علمت بموضوع إعارتي اليها لخبرته.  فقال لي أطال الله عمره : عمو روح وانت مغمض، فصلالة مثل أريحا، فما قصة أريحا ؟

أريحا (Jerrico) مدينة تقع بالضفة الغربية لنهر الأردن فكانت تحت السيادة الأردنية في تلك الأيام.  يعرفها العالم بتاريخها القديم وسياسياً عندما ظهرت كجزء من اتفاقية السلام الإسرائيلية الفلسطينية بما يعرفه العالم اتفاق غزة وأريحا. لكن لندع السياسة والتاريخ جانباً، ما علاقتها بصلالة؟ وما هو وجه الشبه؟

تقع أريحا قريبة من نهر الأردن لذلك فهي حارة مناخياً لأنها بمنطقة الأغوار و هي ذات خضرة دائمة لأنها محاطه ببيارات (مزارع) الموز و الفواكه، فوجه الشبة هي الماء و الخضرة و أكيد الوجه الحسن كما قال الشاعر.  ومن لا يعرف الأغوار أوضح أنها المنطقة المحاذية لامتداد نهر الأردن وصولاً الى البحر الميت أخفض منطقة في العالم عن سطح البحر. لذلك طقسه حار صيفاً دافئ شتاء.

هذه المعلومة من مختارنا أبي يحيى لم تجعلني بحِيرة عندما كان يأخذنا الأستاذ جميل بجولات بصلالة وحولها كالحيرة التي كانت تغطي وجه الوافدين الجدد الذي يزورون صلالة لأول مرة، فالمعلومة لدي، ولكنني كنت أبحث بعيني لتوثيق المعلومة. وفي الحقيقة لا بد من توجيه الشكر للأستاذ جميل على جهوده الرائعة.   

كان أول عمل قمت به بعد امتلاكنا للسيارة المازدا هي جولة مع الأسرة كدليل طبعا وليس مرافقاً حول صلالة، فانطلقنا إلى المطار ثم البحر ثم مزارع الحصيلة دون ترتيب فكان المهم أن نخرج في كل الأماكن التي أخذنا اليها الأستاذ جميل وأضفنا اليها أماكن أخرى طبعاً لاحقاً. و سأحدثكم عن هذه المناطق وعن صلالة عموما في هذه الفترة الطويلة في الفصل الثالث.  



الجمعة، 2 سبتمبر 2016

الباب الثاني

الباب الثاني

الفصل الأول
سلطنة عُمان

هذه مقدمة لا بد منها للتعرف على هذا البلد الخيّر؛ مقدمة كما عرفتها بنفسي دون الرجوع إلى أي مرجع تاريخي، فلا أريد الخروج عن الخط الواضح لهذا المشروع كسيرة ذاتية ذات أبعاد اجتماعية. لهذا من أراد التوثيق فيمكنه الرجوع للمصادر ذات العلاقة؛ هذه فقط من دفتر الذاكرة. لهذا لا أنصح باعتماد هذا الجزء من الكتاب كمرجع للدارسين.

تقع سلطنة عمان بالجزء الجنوبي الشرقي من الجزيرة العربية ومساحتها كما علمت حوالي ال 300000 ا كيلومتر  مربع وعدد سكانها كما يأتي بنتائج التعداد السكاني 2331391.  وتنتشر السلطنة بهذا البقعة من الجزيرة العربية بشكل طولي من الإمارات العربية شمالاً إلى حدود اليمن جنوباً على ساحل طويل على بحر العرب يبلغ طوله المستعمل حوالي 1700 كيلومتر.  ويعطيها هذا الطول تنوعا بالمناخ طبعا خاصة إذا علمنا أن مدار السرطان يقطع مسقط وينصفها نصفين؛ لهذا هناك المناخ المداري بالشمال والصحراوي بالوسط  ومناخ ما يعرف باللهجة المحلية الظفارية هنا بالخريف والذي سأفرد له بابا خاصاً لأنه يستحق ذلك عن جدارة.  

وقد كانت تتشكل التقسيمات الإدارية بسلطنة عمان عند حضوري إليها على النحو التالي: المحافظات والمناطق والولايات و النيابات.   وقد كانت المحافظات عند قدومي للسلطنة محافظتين فقط وهما مسقط ومسندم.  لكن مع تطور الأيام تم ترقية المناطق الى محافظات. هذه الأيام فإن السلطنة تتكون من إحدى عشرة محافظة موزعة على النحو التالي:

و للتوضيح نبين أن محافظة مسندم  تقع في الأراضي العمانية خارج حدود السلطنة، ويستلزم الذهاب إليها بالنسبة للوافدين (الاسم العماني للأجانب) الحصول على تصريح من دائرة الهجرة و الجوازات يتيح لهم السفر إلى أراض عمانية خارج حدود السلطنة بالطريق البري الذي يمر بالإمارات العربية المتحدة.  وعادة ما يستعمل الوافدون هذا التصريح للذهاب إلى دبي ومنها إلى باقي الإمارات.  سمعت أن هذا تغير وتبدل بحيث يقتضي على الوافد الحصول على الفيزا للدخول إلى الإمارات.  

ترتبط السلطنة بمنافذ برية مع الدول المجاورة باستثناء المملكة العربية السعودية التي لم تنتهي بعد من استكمال الطريق البري من الجانب السعودي إلى المنفذ لطول المسافة، وقد سمعت أنها ستنتهي منه آخر العام وبالمناسبة مرت أعوام ولم يتنهِ العمل، وبهذا ستختصر المسافة اللازمة للسفر براً إلى الأردن حيث أنه لن يكون لزاماً عليهم السفر عن طريق الإمارات كما هو الحال حاليا.  ولا أدري متى سيتم افتتاح هذا الخط الحيوي.

الاثنين، 29 أغسطس 2016

الفصل الرابع - المرحلة الثانية من الإقامة في صلالة

الفصل الرابع

المرحلة الثانية من الإقامة في صلالة

في تلك الفترة شهد التدريب المهني  التابع لما كان يُعرف بمؤسسة التدريب المهني من نظام المعاهد التي تقبل ما بعد الإعدادية إلى نظام الكليات التي تقبل طلاب المرحلة الثانوية لتخريج طلابٍ مهنيين.  وكان اسمها بتلك المرحلة الكليات الفنية الصناعية. بدأت كمرحلة انتقالية ببرنامج قديم إلى نظام يعتمد اللغة الانجليزية بالتدريس.   وحضر لهذه المرحلة مجموعة من الأردنيين لإدارة الكلية وهم الدكتور خلف هاجم التل عميداً لكلية صلالة، والمرحوم الدكتور يوسف الطروانة عميداً لكلية ابراء الذي انتقل الى رحمته تعالي بحادث سير مؤسف بمسقط.  أما كلية الرستاق فقد كُلف الدكتور صادق الحموز بإدارتها، في حين كُلِّف الدكتور (معالي الدكتور في الأردن لاحقا) عادل الطويسي بإدارة كلية نزوى، في حين بقيت كلية مسقط تحت إدارة الدكتور عبد الحكيم الإسماعيلي عماني الجنسية.  وقد حضر معهم طاقم كبير من المدرسين الأردنيين وأذكر أنه حضر مع الدكتور خلف هاجم إلى صلالة الدكتور عارف حمو  مدرساً ثم رئيساً لقسم الدراسات التجارية ثم قائماً بأعمال عميد الكلية في الفترة الأخيرة والأستاذ نصر بطاينه لقسم تكنولوجيا المعلومات والأستاذ ماجد الحاج في قسم اللغة الانجليزية. وكما جرت العادة تم التعرف على الأساتذة الكرام وقمنا (كل الأردنيين بالكلية المتوسطة)بواجبهم خير قيام ولا نمن عليهم بذلك فهم أهل كرم كذلك. 


بقينا على علاقة طيبة نحن مدرسي الكلية المتوسطه للمعلمين وكنا ندعوهم في كل مناسبة وتزداد اتصالاً بهم يوماً بعد يوم.  وكلما ازدادت العلاقة توطدا بهم ازداد حرجي بمفاتحة الدكتور خلف التل برغبتي بالعمل لديهم لأن عام 1994 / 1995 كان السنة الأخيرة لي بكلية المعلمين، وقد أحس هو بذلك فطلب مني إن كنت أرغب بالعمل ان أزوده بأوراقي ففعلت باليوم التالي وأرسلها الى مسقط لهيئة التدريب المهني.  وفي نفس العام بدأت الكليات بتطبيق نظام المؤهلات الوطنية (GNVQ) و هذا جعل الطلب على مدرسي اللغة الإنجليزية كبيراً منذ ذلك الوقت. وهذا ما رفع درجة الأمل بالموافقة على طلب التدريس، وتمت الموافقة بعد مقابلةٍ لي بمسقط.

و في شهر ابريل 1995 قال الدكتور خلف لي إنهم يريدون أن يقابلوني بمسقط، فذهبت للكلية بمسقط حيث كانت تتم المقابلات هناك. خضعنا لمقابلة بدأت رسمية ثم تحولت بعد عشر دقائق إلى غير رسيمة؛ خلعنا خلالها الجاكيتات وجلسنا مقابل بعض وأصبح الحديث ودياً مع  جون ميكفارلن مدير برنامح ال (GNVQ)، الذي قال لي( Enjoy your flight to Salalah). سارت الأمور كالمركب التي تدفعها ريح طيب بسهولة و يُسر. وأصبحتُ حديث مدرسي الكليات أن طلال هو الباقي الوحيد بصلالة والجميع ذاهبون.
 
بدأنا (العائلة) بالاستعداد للنقل وأصبحنا نفكر بأي الفلل سنسكن أو ربما الشقة أفضل، إلى أن بدأت الريح بالتغير، و اكفهر وجه البحر لربان المركب، وأصبحتُ أسمع عبارات الاعتذار لأني طلبي للنقل لم تجزه قوانين الخدمة المدنية التي تحظر النقل بين المؤسسات بعد انتهاء الخدمة من أحدهما ؛ فمن ينهي عمله عليه أن يُغادر السلطنة ثم يعود بعد سنتين. و عندما لم أستطع فعل شيء غادرت بالتاريخ الذي ذكرته سابقا الى الأردن.

عدت للأردن وبدأت عملي مدرساً للغة الانجليزية في كلية الحصن للمهن الهندسية بشهر أيلول (سبتمبر ) 1995 حيث لم يكن بالإمكان الرجوع إلى كلية مجتمع حوارة لأنها انتقلت لوزراة الصحة ككلية تمريض، ولهاذا تم توزيع تركتها معلمين وطلاّباً وخلافه على باقي الكليات. 

الخيرة فيما اختاره الله

لا يدري الإنسان أن الله دائماً يختار له الأفضل، ولكن الأنسان خلق عجولا. كثيراً ما كنا نصلي صلاة الاستخارة بخصوص الإنتقال للكلية الفنية وفي ذهننا طبعاً أن الله يحقق لنا هذه الأمنية، ولكن عندما شاءت إرادته تعالى أن تعرقل المعاملة بديوان الخدمة المدنية داخَلَنا شعور بعدم الرضى عن هذه النتيجة وتبخر من خاطرنا أن أحد اشكال استجابة الدعوى هو أن يبدلنا الله خيراً منها أو يؤخرها حتى تتحقق مشيئته بعد فترة. القصة هي كالتالي:

بدايةً التحقت بوزارة التعليم العالي الأردن اعتباراً من 1/ 9 / 1995 فتم تعيني بكلية الحصن الجامعية لأن كلية حوارة كانت قد الغيت وتم توزيع كادرها على باقي الكليات. واستمر تعيني فيها الى أن طرق بابنا صهري أبو علاء رحمه الله يخبرني أن عُمان قد أرسلت تذاكري على طيران الخليج في شهر يناير 1996. وهذا يعني طبعاً أن أنني بقيت بالأردن سنة ونصف بالتمام و الكمال. وقد تجلت حكمة الله لي بالذهاب إلى الأردن بعام 2004 عندما كان عليِّ أن أختار بين الاستمرار بالعمل بالكلية الفنية بعمان أو أعود إلى الأردن، فاخترت الاستمرار وعندها كان علي التقدم بطلب الإحالة على الاستيداع، واتضح لي أن خدمة (السنة ونصف) هذه كانت العامل الحاسم بالوصول بسنوات خدمتي إلى السن الذي يؤهلني للحصول على الاستيداع ثم التقاعد، فلا تتصوروا كم كانت فرحتي بهذا و خجلي لأنني لم أفطن إلى استجابة الله تعالى لصلاة استخارتي عام 1995،وحزنت على عدم تمكني من الالتحاق بالكلية بعام 1995، وكانت هذه الخِيرةَ الأولى لصلاة الاستخارة.  وأصبحت أروي هذه القصة لكل من يتذمر من موقف مشابه.

أما الخيرة الثانية فكانت أكاديمية؛ إذ طلبت جامعة قطر محاضرين للتدريس هناك وتقدمت بطلب لهم، فطُلِبتُ للمقابلة بالسفارة القطرية، وهذا أعطاني شعور أكاديمي بأنني أيضا مطلوب بأماكن أخرى، وليس فقط عُمان.  وأذكر أن السيدة التي قابلتني قالت لي ستنبسط عندنا بقطر، وهذا أعطاني أيضاً دفعة بالثقة بالنفس أنني مطلوب أيضاً خارج عُمان. طبعاً حدثت ترتيبات عندهم بالجامعة جعلتهم يختارون أثنين فقط من جامعة اليرموك ليتمكن واحد منهم فقط من الذهاب وتهدر الفرصة على الباقيين.

الخيرة الثالثة وهي إنسانية بحتة أتحفظ عن الخوض بتفاصيلها كثيراً، إلا أنها وباختصار دلت عن تعامل البشر يختلف باختلاف الأزمنه والأمكنة والظروف، واللي بتحسبه موسى بيطلع فرعون.  مررنا كعائلة بمطبات كثيرة وتفاجأنا من بعضها وغضبنا من البعض الآخر وكظمنا غيضنا في حالات أخرى. كان يداخلني شبه يقين بأنني عائد الى عمان وأن المسألة مسألة وقت؛ أي انني كنت اعتبر نفسي بإجازة طويلة.

هناك أيضا خِيرة رابعة لفترة السنة ونصف في الأردن بين الكليتين هي أنني ترقيت إلى الى الدرجة الثانية، مما رفع من راتبي التقاعدي لاحقا.  فهل هناك من شك بعد كل هذا أن الله دائما يختار لنا الأفضل!!! الحمد لله على نعمه ظاهرها وباطنها.

تقدمت بطلب لإجازة بدون راتب من وزارة التعليم العالي الأردنية وعدت إلى سلطنة عمان بتاريخ 25 / 1 / 1997.  وهكذا ما زال يسير بي الزمن في صلالة منذ ذلك الزمن إلى يومنا هذا، والحياة كما تعلمون لا تصفو مشاربها دائما.

لهذا سيكون حديثي عن عُمان و صلالة  و المجتمع الظفاري خلال هذه الفترة الطويلة حديث المشاهد لكل ما يجري حوله، أسجلها كما عشتها شخصياً وقد أكون مصيباً أو مخطئاً فالعصمة لله وحده.   


الثلاثاء، 23 أغسطس 2016

تتمة الفصل الثالث

شعور بالندم

من المساوئ القاتلة عندما تكونَ ضمن مجموعة معينه هو أنك لا تستطيع أن تستقل بتفكرك. فقبل حضور الأسرة أصبح الحديث بين الأصدقاء يتردد من الذي سيستقبل الأسرة عند الحضور، فقلتُ سأذهب أنا لاستقبالهم فرمقني الحضور بنظرة استغراب، ليقول بعدها أخي الأكبر الدكتور أحمد سندبر أمر استقبال أسرتك (بنخلي فلان يستقبلهم) فرفضت لأن هذا الشخص لا أعرفه مع احترامي له، وأصررت على الذهاب، لكن هذا يقول مصروف زايد، وآخر يقول  غامزاً بعينيه يا عمي هذول درجة خاصة شو هامهم ( ولموضوع الدرجة الخاصة حظ من الحديث لاحقاً) ونتيجة لهذا اقتنعت بأنني لا أريد أن أُصنف من فئة المبذرين ولا زمرة المتكبرين، فاتصلت بزميلي الأستاذ جاسر عنانزة لاستقبال الأسرة الذي رحب مشكوراً، فكان له فضل آخر إضافة للفضل الأول عندما استقبلنا بمسقط. 

تصادف قدوم الأسرة إلى مسقط مع احتفالات السلطنة بالعيد الوطني العشرين، فانبهروا لكثرة مظاهر الاحتفال من لوحات تعبيرية وإضاءة تغطي العمارات الكبيرة والميادين العامة فضاعف هذا من سرورهم، فأشاع البهجة في نفوسهم واعتبروه فال خير بحياة جديدة مختلفة تبشر بحياة أفضل. وشعرت بهذا من نبرة صوتهم عندما كلمتهم لحظة وصولهم إلى بيت الأستاذ جاسر عنانزة، وهنا لا بد من شكر زوجة الأستاذ جاسر لقيامها بأفضل واجبات الضيافة تجاه الأسرة كما أخبرتني أم محمد لاحقاً. 

المفاجأة كانت أن تذاكرهم كانت لمسقط فقط وعلى الكلية توفير تذاكرهم لصلالة، وهنا خضعنا لنوع آخر من منغصات الحياة وهو أن الكلية قالت نحجز بالسفر العادي ولكن تذاكر القدوم تحجزها الوزارة، وطبعا لا بد من استشارة الوزارة وهنا قلت لمساعد المدير عائلتي بمسقط ولن أسمح بأن تبقى بمسقط إلى أن تسألوا الوزارة وسأشتري لهم التذاكر من جيبي الخاص ثم نرى لاحقا مسؤولية من. بعدها بساعة جاءني من يخبرني أن التذاكر اشتريت و أن الأولاد سيكونون بصلالة اليوم التالي.


اكتمال العِقد

وصلت العائلة إلى صلالة بشهر نوفمبر 1990 وكنت باستقبالها بسيارة الأستاذ عاطف جرادات (ابو المنذر) المازدا ال 323 الصالون الذهبية. هكذا كان العُرف أن يذهب شخص مرافق معنا لاستقبال الأسرة حتى لو امتلكنا السيارة، فقد كان تفسير الشيوخ الكبار من الأردنيين بصلالة أن الزوج قد يصاب بحالة من عدم التركيز عندما يرى زوجته وأولاده من فرط فرحه بوصولهم. وبعد دقائق كانت الأسرة بصلالة بشقة صغيرة مكونة من غرفتي نوم و مطبخ وغرفة ضيوف وحمام واحد. لا أذكر ماذا حدث بالضبط ولكننا نظرنا إلى بعضنا نظرات مغزاها أن ( الحمد لله، أخيراً اكتمل العقد وهدأ البال)، ثم ناموا جميعاً نوماً عميقاً حرموا منه مدة قاربت الأربعين يوماً. صحونا بعدها لتبدأ حياتنا كجزء من الجالية الأردنية المتواجدة بصلالة بتلك الفترة الزمنية والتي ستكون موضوع حديثا بالفصل الأخير.  

الراتب

شكل موضوع ترتيب أمور البيت والأسرة المالية أحد أهم القضايا المهمة، إذ تختلف حياة الأعزب عن صاحب الأسرة. علمت عندما حضرتُ إلى الكلية أن الرواتب تتأخر عادة للموظفين الجدد حتى يستكملوا الإجراءات الحكومية، ولكن وحسب القانون يُعطى الموظف الجديد سُلفة مالية بقيمة 150 ريال عماني ( الريال العماني يساوي 1.85 دينار أردني). لكن هذه السلفة لا تكفي تجهيز الموظف للأساسيات من أموره الحياتية، لذلك كان لا بد من الإستدانة بمبلغ مقارب عندما حضرت الأسرة.


مكرمة صاحب الجلالة  

من الأمور التي ما زالت زوجتي تذكرني بها أن حضورهم كان فأل خير علينا كما يقال عندنا بالأردن، إذا بعد حضورهم بأيام قليلة وقبل الاحتفال الرسمي الرئيس بالعيد الوطني زفت لنا الأخبار نبأ مكرمة صاحب الجلالة على موظفي الخدمة المدنية صنفها المرسوم بعدة مستويات و لكنه خص الموظفين الوافدين براتب شهر يُصرف فوراً، لهذا كما قال الشاعر :

ضاقت فلما اشتدت حلقاتها                            فرجت وكنت أظنها لا تفرج

شملتنا مكرمة صاحب الجلالة رغم وصولنا بتلك السنة لأننا وصلنا بأول السنة وقبل البدء بالاحتفالات وبعد الخبر بأيام قليلة جداً توجهنا لمكتب المحاسب لنجد مغلفاً بقيمة (605 ريالات عماني) لتنفرج كل مشاكلنا المالية ومنها موضوع السيارة حيث أن السيارة المازدا الحمرا 626 موديل 1982 التي تعود ملكيتها لزميلي انتقلت ملكيتها لي بعد دفع مبلغ 550 ريالا ثمناً لها، وهنا أصبحنا من ملاك السيارات.    




وصول الراتب

بما أن الشيء بالشيء يُذكر أجد من المناسب أن أعرج على كيفية وصول الراتب. نعم، أخيراً وصل الراتب وهو راتب ثلاثة أشهر سوياً. وعندما أُستدعينا لاستلام رواتبنا من مكتب المحاسب تسابقنا نحن الجدد للوصول هنا وعند استلام المغلفات حاولنا قدر الإمكان أن نخفي فرحتنا عن بعضنا باعتبار أن ( المصاري) ليست مهمة كثيراً، ولكن قطعاً فعل الجميع كما فعلت عندما وصلت البيت. 

دخلتُ البيت فرحاً ضاحكاً وجمعت الأسرة الصغيرة ونثرت المبلغ فوق رؤوسهم وقلت لهم هذا ما يمكن أن نجمعه بالأردن طيلة عمرنا، فرح الجميع وسمعت منى تقول الحمد لله، وبالمناسبة هي كثيرة الحمد لله مهما كانت المناسبة.

اقتضى منا الوضع الجديد أن نستأذن من الدوام لنفتح حسابا ببنك عمان العربي لسهولة التحويل منه للأردن، وأذكر أن نائب المدير كان اسمه حسين وهو أردني الجنسية. ثم أصبحنا نودع شهرياً لأن الرواتب كانت تصرف عند محاسب الكلية، وبقينا على هذا الحال إلى أن أصبحت تُحول تلقائياً إلى البنك في عام 1993 على ما أظن، فأصبحت زيارة البنك ضرورية كل شهر لسحب مصروف الشهر بشيك لأن خدمة الصراف الآلي والبطاقات لم تكن معروفة.

وهكذا سار بنا مركب الاغتراب يتهادى من سنة الى أخرى بين مد وجزر في صلالة إلى أن أقتضت طبيعة الإعارة أن تنتهي في سنة 1995 حيث كانت مدة الإعارة خمس سنوات.  صادف ذلك التاريخ انتقال الكليات بالسلطنة إلى نظام كليات التربية فاقتضى ذلك تغيير معظم طاقم المدرسين بالكليات، ولهذا رافقني في رحلة الرجوع إلى الأردن من كان يعتقد أنه باق في صلالة الى يوم الدين من مختلف الجنسيات بلغ عددهم تسع عشر محاضراً.  فغادرتُ في  15 يوليو 1995.


الاثنين، 22 أغسطس 2016

الفصل الثالث


الفصل الثالث

الوصول إلى صلالة

بهرتني أضواء المطار الساطعة خارج المطار وداخل صالة القادمين فأصبت بما يعرف عندنا بلهجتنا الأردنية (قومرت) أي أنني لم أستطع الرؤيا بعدها رغم أنني أرى كل شيء ولكن دون إدراك كما يحدث عن توسع البؤبؤ للعين.

خرجنا من صالة المغادرين فلا أذكر أنني وجدت أحداً أردنياً باستقبالنا، ربما لعدم معرفتهم بموعد وصولنا كما أخبرونا لاحقاً، طبعا تبين أن مقولة ما كنا نعرف حُجة عامة نلجأ إليها عند تقصيرنا أحياناً. وما أن خرجنا من الصالة حتى تقدم منا شخص عُماني تظهر على وجهه طيبة القلب واسمه كما عرفت لاحقاً " أحمد عبد الرب" ليسأل هل أنتم الدكاترة الأردنيين فأجابه زميلي الدكتور أحمد العودات بنعم، وبالتالي تجنبت التوضيح أنني لستُ دكتوراً، وقد عرفت لاحقاً أنهم يطلقون كلمة دكتور على كل من يدرّس بالكليات. ركبنا السيارة مع الأخ أحمد وأخذنا إلى شقتين بعمارة بوسط صلالة تعود ملكيتها للشيخ عبد الخالق الرواس فوق ما كان يُعرف زمان بمحلات ديراج التي تحولت إلى محلات السلمان. وكانت هاتان الشقتان تحويان بقايا أثاث ممن سبقنا ووُعدنا أنهم سيغيرون الأثاث لنا لاحقا، و قد كان،  ولكن بعد ردح من الزمن. 

تلك الليلة التقينا بالأستاذ جميل مناصره وهو يلعب الشدّة ببيت شخص أردني آخر من المعلمين وهو أبو فاعور رحمه الله، و لا أدري كيف وصلنا إليه حيث أنني كنت تحت تأثير السفر، وحدثنا عن الكلية والقسم .... الخ.  وسأقفز  عن الحياة و الدخول للكلية لأنني أفردت له  فصلاً خاصاً، لكني سأنتقل الآن الى وصول الأسرة الذي كان بعد أربعين يوماً من قدومي للسلطنة. 
 

حضور الأسرة

لقد كنتُ فرحاً فرحاً شديداً بالعيش بصلالة، ولم يكن ينقص فرحتي إلا شيء واحد ألا وهو عدم التئام شمل الأسرة معي. لقد تركتهم في أربد يتنقلون بين الأقارب حيث أنني ارتكبت خطأ فادحاً وهو الخروج من الشقة وبيع الأثاث، رغم معارضة زوجتي لذلك ( يا أخي هالستات لهم حِكَم مرات) لهذا لم تكن أمورهم على ما يرام هناك، خاصة بوجود طفلين صغار ينتقلون من بيت كانوا هم أهلُه إلى بيت أصبحوا ضيوفاً فيه، والضيف كما تعلمون يكون في أحسن حالاته عندما يكون خفيفاً، ويكون الضيف في قمة عطائه عندما يغادر بسرعة. لست هنا بصدد الحديث عن طيب مقامهم هناك، فليس كل ما حدث يسر البال وليس كل ما يُعلم يقال.

عندما علمتُ بموضوع إعارتي لسلطنة عمان لم أستفسر عن الراتب ولكني استفسرت عن الأوراق المطلوبة لحضور الأسرة مثل صور شخصية وصور جواز السفر وعقد الزواج وشهادات الميلاد، كنت حريصاً على معرفة كل شيء، فلم أرد أن أتعرض لأي موقف يؤخرهم عني. وكذلك كان أول سؤال سألته للفاضل الدكتور نائب مدير دائرة إعداد و توجيه المعلمين بالوزارة والذي طلب الأوراق للبدء بالمعاملة من مسقط، ولكنه استدرك وقال" عندكم بصلالة مكتب للهجرة والجوازات وستكون المعاملة من هناك أسهل و أسرع.

 لذلك وبعد أن أنهيت معاملة شؤون الموظفين بالكلية استفسرت وطلبت إحضار الأسرة وقدمت الأوراق، ولكن الموظف قال لا يمكن إحضار الأسرة الآن حتى يأتينا ما يثبت أنك على الدرجة الخاصة، وهذا يعني انتظار مدة لا تقل عن شهرين. هنا كان لا بد من الدخول على سعادة المدير وقلت له " البركة بسيادتك" و هذا كان كافياً لسيادته أن يذهب لموظف شؤون الموظفين ويقول له أن يبدأ بمعاملة جلب الأسرة، وعندما احتج الموظف بعدم معرفته بالدرجة قال له المدير أنه اتصل بالوزارة و أخبروه بدرجتي. فاطمأن قلب الموظف وسار المعاملة. طبعا وللتوضيح فإن قائمة أسماء المعلمين كانت لديهم وكل حسب درجته، ولكن كان لا بد من استثمار الكرسي، فهي فرصة لا تتكرر دائماً وتحدث مرة واحدة فقط وهي بداية التعيين، وهذا ما أطمئن به قلوب المعينين حديثاً عندما يتذمرون بمثل هذا الموقف. 

لقد كان طيف الأسرة معي في كل مكان أزوره أو يأخذنا إليه الأستاذ جميل بسيارته المازدا الحمراء التي أصبحت سيارتنا لاحقاً لأنني أعرف أنني سآخذ إليه الأسرة بعد حضورهم، وكنت أعرف أن هذا المكان سيفرحهم وذاك سيضحكهم وآخر سيستغربون منه. بمعنى آخر كنت أعد نفسي لأن أكون دليلاً سياحياً ناجحاً للأسرة عندما تصل. أذكر أنني كتبت في أول رسالة خطية للمدام " إن صلالة مدينة جميلة جداً، ولكن كان يمكن أن تكون أجمل بوجودك إلى جانبي"، وفي الحقيقة كنت أتخيلها في كل مكان أدخله إلى جانبي. كنت أتخيل محمد وسمو يلعبان في كل حديقة أزورها.  

كنت وزميلي الدكتور أحمد العودات الذي حضر معي معاراً للكلية نسكن شقتين متجاورتين، وكان يحرص على أن نبقى سويا معظم الوقت ويصر أحياناً على المبيت عنده بنفس الشقة؛ لقد كان يمارس (الله يذكره بالخير) دور الأخ الأكبر لي لأنه كان يكبرني بأعوام كثيرة، ويستغرب عندما كنت أشذ عن القاعدة في بعض المرات لأكون مع نفسي أو أبدي عدم الرغبة بالجلوس بمجلس كما قال الشاعر عنه (بمجلس فيه نفوس ثقيلة)، إلا أنه مع ذلك كان لا يمانع إذا توفر له البديل من الرفقة. لهذا كنت أستغل بعض اللحظات لأكون على بلكونة الشقة لأنظر صلالة بالليل لأسطر لمنى الرسالة القادمة لأطمئنها عن البلد التي ستكون فيها. ومن يعرف شارع النهضة بالمنطقة المقابلة للعمارة التي نسكنها يعرف أنها مليئة بمحلات الخياطة، وهذا أول شيء لفت نظري عن صلالة، وكنت أعرف أن هذا سيفرحها لكثرة شغفها بتفصيل الملابس. من المفارقات المضحكة أنني اكتشفت أن هذه المحلات التي كنت أحدثها عنها إنما هي لخياطة الملابس الرجالية فقط وبشكل خاص متخصصة بالدشداشة العمانية، أما الخياطة النسائية فكانت بمنطقة الحافة وأشهرها خياطة الصداقة.

كنت دائما ألاحظ قلق منى وشغفها للحاق بي فأزداد متابعة لمعاملة إحضار الأسرة كما يسمونها هنا، وفي كل مرة أسأل يُقال لي المعاملة (بتحتاج ) وقت، وليس بالسرعة التي تتمناها، وهنا كنت ألوم نفسي على عدم إعطاء المعاملة لدائرة إعداد وتوجيه المعلمين بمسقط. ولكن حصلت المفاجأة التي تلخصت كالتالي:

ذات جمعة اتصل الدكتور محمد علي الشبول (رحمه الله) وكان مرشحاً للإعارة إلى كلية نزوي بالدكتور احمد العودات زميله ليسأله (كالعادة) إن كان بحاجة لشيء من الأردن، فقال له شكراً و هذا الأستاذ طلال بسلم عليك، فطلب الدكتور أن يكلمني فسلمتُ عليه ورحبت به بعمان وسألته سؤالاً عابراً من معه على الطائرة من المدرسين، فقال الدكتور أحمد صقر عميد كلية نزوى والدكتورة عائشة حجازي عميدة كلية عبري للبنات وهناك معلمة أخرى اسمها منى ولا يعرف أين تُدرِّس فقلت له هل تعرف أسمها كاملاً فقال نعم منى غانم فأكملتُ له الاسم فرحاً دون أن يطلب وقلت له هذه زوجتي وهي ليست مُدرِسة، وأرجوك أخبارها على العنوان التالي وأعطيته العنوان. كذلك قمت بالاتصال بزوجتي و أخبرتها بالذهاب للسفارةالعمانية، فحصل المراد واستلمت التذاكر وحضرت إلى سلطنة عمان بعد رحلة عناء من أربد إلى عمان العاصمة.

بالكيماوي يا صدام

لقد كان رحلة الأسرة على طيران الخليج ولهذا وجب التوقف بالبحرين. وعندما توجهوا إلى مطار البحرين فوجئ محمد (2.5 سنة) بعدد من أفراد الجيش وربما كانوا من قوات الشرطة البحرينية، فما كان من محمد إلا أن صار يصيح وينط ويهتف ( بالكيماوي يا صدام بالكيماوي يا صدام) فضحك الجيش منه كثيراً وقالوا هذا أكيد من الأردن، مما خفف عن والدته الحرج.  طبعا تفسير هذا هو أن الأردن كانت تهتف لصدام ضد القوات الأمريكية التي كانت تستعد لطرد صدام من الكويت بعد غزوه لها، وكانت الشعوب تُصدِّق أن عند صدام الكيماوي اللازم لهذا، فهتفت له ليطردهم ويبيدهم بالكيماوي ولكن صدام على ما يبدو آثر أن يعاملهم بالحسنى.


الثلاثاء، 16 أغسطس 2016

لقاء الوزارة و استلام الوظيفة - تتمة الفصل الثاني

لقاء الوزارة و استلام الوظيفة

صباح السبت حضرت الحافلة لتقلنا إلى الوزارة، وهناك وجدنا نائب مدير دائرة إعداد و توجيه المعلمين بانتظارنا ووجدنا من الاحترام والتقدير عند هذا الرجل ما أذهب عنا كأداء السفر ونصبه ووعثائه. لقد كان غاية باللطافة ودماثة الخلق، فرحب بنا أجمل ترحيب فهنأنا بسلامة الوصول، وكانت جلسة تعارف قصيرة، لأنه أخبرنا بمكان عملنا بتلك الساعة فقد كان الجميع لا يعلم درجته ومكان عمله باستثناء الفقير إلى الله تعالى بتلك اللحظة التي عدت لأسلّم صورة من جواز سفري بعمان كما أسلفت سابقاً. لم نوقع عقوداً مع الوزارة ولم يطلبوا صوراً من المؤهلات بذلك اللقاء لأننا كنا معارين من وزارة التعليم العالي الأردنية، ولهذا كانت معاملتنا تختلف عن معاملة من جاء بعقد.

لقد كانت الدائرة جاهزة لاستقبالنا كما ظهر لنا فالكل يعرف ما عليه فعله. لهذا بدأ الدكتور نائب المدير بتوزيع الإخوة على بعض الموظفين، وبعدها يذهب الأخ مع موظف ما ولا يعود، ولهذا لم تتح لنا فرصة وداع الإخوة، ولم نرهم إلا بالمطار عند العودة للأردن بآخر العام. لقد كان الموظفون الذين يذهب معهم الإخوة هم السائقين الذي أقلوهم إلى كلياتهم بمختلف مناطق السلطنة القريبة من مسقط.

وعندما جاء دورنا قال الدكتور أنتما بصلالة و أشار الدكتور إلى أحد الموظفين " احجزوا لهم التذاكر لصلالة بسرعة قبل إغلاق المكتب واتصلوا بالكلية ليلاقيهم مندوب الكلية"، فارتاح زميلي وصديقي لذلك وأيقن أن مقولتي عن ديوان عام الوزارة آتت أكلها، فلقد عرفنا من الأستاذ جاسر عنانزه أن المسافة لصلالة ليست بالبسيطة. وقد تم الحجز و أرسلنا الموظف إلى السكن لنحضر حقائبنا ومن ثم إلى المطار لتكون رحلتنا إلى صلالة بعد المغرب. فجلسنا ننتظر.

لا أدري كيف مر الوقت ولكننا انتبهنا على صوت النداء الأخير للصعود فصعدنا، وهنا حصل معي أول مقلب على الطيران وهو إصرار احد الركاب على الجلوس الى جانب أسرته وهذا حقه طبعا الذي تنادي به الشرائع والعادات، ولكن المضيفة رفضت و أصرت على أن يجلس بمكانه حسب الرقم وطال الجدل الناتج عن سوء تخطيط موظف الحجز الذي بعثر العائلة كلٌ في مقعد. وأخيراً صعد موظف تبدو عليه المسؤولية من كشرته وكالعادة يريد كل شخص أن يفهم القصة من أولها، فقمت من مكاني وقلت بالانجليزية أنا مستعد لتغيير مقعدي إذا كان ذلك سيساهم بحل هذه المشكلة وهنا بادر آخر بنفس الفكرة وحُلت مشكلة الرجل وجلس إلى جانب أسرته. أذكر أن هذا الموظف المسؤول قد تقدم الي بعدها بالشكر بعبارة (sorry for the inconvenience).

حلقت بنا الطائرة إلى صلالة وبعد ساعة ونصف تقريباً جاء صوت المضيفة لتعلن أننا وصلنا صلالة، ولدى خروجنا من باب الطائرة كان الجو معتدلاً وليس كجو مسقط فأيقنت بأن حياتنا هنا ستكون مختلفة، وهكذا كانت والحمد لله.